مواضيع جديدة
مواضيع مميزة
مواضيع مهمة
شرح منهج السالكين كتاب الصلاة
الطرق العصرية للدعوة الإسلامية
الموسوعة الوثائقية للمذهب الشيعي
سيرة الصحابة رضي الله عنهم في حلقات
نساء من ذهب
من هم أهل السنة والجماعة
أدعية وأحاديث ومواضيع باطلة
الرقية الشرعية مكتوبة
الرقية الشرعية المُطوّلة
أحكام تجويد القرآن




  • يتصفح الموقع حالياً
  • [ 60 ]
  • Loading...


البحث داخل الموقع

Loading

الساحة الأولى : صور من حياة الرسول(صلى الله عليه وسلم ) ردود(59) قراءات(22309)
(30)
بين الشك واليقين
وانتظرت آمنة أن تحس ما تحسه الحوامل من أسباب الضعف والوهن ، ولكنها لم تجد في نفسها ضعفاً ولا وهناً . ومرت الأيام تلو الأيام ، وآمنة تترقب أعراض هذا الحمل فلا تجدها ؛ لقد كانت تغدو في كل يوم أكثر نشاطاً منها في الذي فبله ، حتى لقد أنكرت ما أنبأها به الهاتف ، وظنت أنه أضغاث أحلام . لكن ذلك الهاتف كان حريصاً على ألا يترك للشك مجالا في نفسها إذ كان يعاودها من حين فيلقى إليها في كل مرة نبأ جديداً 0000
فقد أنبأها ذات ليلة بأنها حملت بسيد هذه الأمة 00 ومرة أنبأها بأنها ستكون أما لخير أهل الأرض 00 ومرة أخرى أمرها بأن تسميه " محمداً" 0!
وغدت آمنة في حيرة أتصدق ذلك أم تكذبه؟ 00 من أجل ذلك كانت تلجأ إلى الأدْنَيْن من صواحبها وذوات قرباها فتُفْضي إليهن ببعض أخبارها وتستأنس بآرائهن في الحمل وما يجدن من أعرضه وأحواله وتنظر في حالها منه فيغلب عليها الشك ثم تذكر الهواتف والرؤى وما تراه في أحلامها من البشائر والآيات فيغلب عليها اليقين 0
ومازالت كذلك بين الشك واليقين حتى أحست بشائر الحمل واستبانت حقيقته هنالك صدقت أن هذه الهواتف لم تكن إلا هواتف صدق وأن حملها هذا لابد أن يكون له شأن فكتمت أمرها على صواحبها وخافت على جنينها أن تصيبه عين الحسد0

(31)
نور يضئ المشرق والمغرب
وفي إحدى الليالي رأت فيما يرى النائم ، كأن نوراً قد خرج منها فأضاء مابين المشرق والمغرب ، حتى رأت على ضوئه قصور (( بُصْرَي )) من أرض الشام ... وما زالت آمنة تتوالى البشائر والآيات ، حتى أتمت شهور الحمل ، وولدت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وكان ذلك في يوم الاثنين ، الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، في العام الذي حدثت قيه حادثة الفيل : إذ جاء أبرهة وأصحابه ليهدموا الكعبة ، فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول .
*****
وتحدث آمنة بنت وهب عن نفسها فتقول : ’’ لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته ؛ فلما فصل منى خرج معه نور أضاء له مابين المشرق والمغرب ؛ ثم وقع على الأرض معتمداً على يديه ، رافعاً رأسه إلى السماء‘‘.
وتقول زوجة أبى العاصي ممن حضرن ولادة آمنة : ’’ لقد شهدت ولادة أمنة بنت وهب ، ليلة ولدت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فما شيء أنظره في البيت إلا نور . ولقد رأيت النجوم تدنو و تدنو ، حتى لقد خشيت أن يقعن على ‘‘ .
ويحدث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن نفسه فيقول : (( من كرامتي على الله أنى ولدت مختوناً ، ولم يسوأني أحد.))
*****

(32)
فرحة عبد المطلب
وأرسلت آمنة جاريتها إلى عبد المطلب ، تخبره بأن قد ولد غلام ؛ فجاء مسرعاً ينظر . فلما جاء ، حدثته آمنة بما كانت ترى منذ حملت به ، وما قيل لها فيه ، وما أمرت أن تسمية .
ففرح به عبد المطلب فرحاً شديداً ، ونظر إليه فأعجبه ، ونزل من نفسه منزلة عظيمة ؛ فجعل يقول : ’’ ليكونن لابني هذا شأن ....! ‘‘ ثم حمله بين يديه ، وانطلق به إلى الكعبة ، فقام يدعو ويشكر الله – عز وجل – ويقول :
’’ الحمد لله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان
أعيذه بالبيت ذي الأركان حتى أراه بالغ البنيان ‘‘
فلما كان اليوم السابع ، وهو يوم العقيقة عند العرب ، ذبح عنه جزورا وأطعم المساكين والفقراء ، ودعا رجالا من قريش فحضروا وطعموا ، وهنأوا بالطفل السعيد ، وتمنوا له رفعة الشأن و بركة العمر ؛ فلما أكلوا قالوا : ’’ ياعبد المطلب ، أرأيت ابنك هذا الذي أكرمتنا على وجهه ، ما سميته؟ .
قال : سميته (( محمداً )) . قالوا رغبت به عن أسماء أهل بيته ؟ قال : أردت أن يحمده الله في السماء ، وأن يحمده خلقه في الأرض .‘‘
******
وكان أول من أرضع رسول الله ثويبة ، جارية عمه أبى لهب ؛ ومع أنها لم ترضعه سوى أيام فقد ظل يحفظ لها هذا الجميل ، وما زال يكرمها ويبرها حتى ماتت وهو بالمدينة ؛ فلما ماتت سأل عن ابنها مسروح ، وكان أخاً له في الرضاعة ، ليصله مكانها ، فعلم أنه مات قبلها .
******

(33)
الرضاع
مراضع البادية :.
كان من عادة الأشراف من أهل مكة ، أن يبعثوا بأطفالهم إلى البادية ، يقضون فيها مدة الرضاع في حضانة المراضع من نساء البدو ، بعيدين عن جو المدينة وهوائها الوخم الثقيل ؛ إذ كانوا يعتقدون أن جو البادية أصح وأنقى ، وأحسن أثراً في نمو الأطفال وزكائهم .
وكانت المراضع من نساء البادية يأتين إلى مكة من آن ، يلتمسن الرضع من الأطفال ؛ وكانت الأمهات من نساء السادة يلقين بأولادهن إلى هؤلاء المراضع ، ويغدقن عليهن من الأجر والبر ، بمقدار ما طبعت عليه نفوسهن ونفوس أزواجهن من الكرم والسماحة .
وكانت المراضع يبحثن أول ما يبحثن ، عن ذوي الآباء من أبناء الأغنياء والسادة ، طمعاً فيما ينالهن من بر الآباء ونفحاتهم ؛ أما يتامى الأطفال – ولا سيما الفقراء منهم – فلم يكونوا في موضع الرغبة من هؤلاء المراضع.
وكان رسول الله قد ولد يتيماً ، ليس له إلا جده عبد المطلب وأمه آمنة ، فلم تكن حاله تلك مما يغرى به المراضع من نساء البادية . وكان قد وفد على مكة ركب من المراضع ، من بادية بنى سعد بن بكر بن هوازن ، يلتمسن الرضعاء من أطفال الأشراف والسادة من قريش ، فعرضت عليهن آمنة رضيعها ، فكلهن زهدن فيه ، لأنه يتيم ليس له أب يطمعن في بره .
*****

(34)
حليمة
وكان من بينهن امرآة تسمى " حليمة بنت الحارث" وكانت قد قدمت مع زوجها وطفل لها رضيع فى حال تدل على شدة الفقر والجدب فى بادية بنى سعد 000 كانت حليمة بادية الضعف والهزال وكان زوجها ظاهر البؤس والفاقة وكان طفلهما لا يكف عن الصراخ لحظة من شدة مابه من الجوع زكانت قد قدمت على أتان لها قَمْراء ( حماره بيضاء) مهزولة لا تكاد تحملها قوائمها من الضعف حتى لقد كانت حليمة وأتانها موضع السخرية من زميلاتها فى الركب لشدة ماكانت عليه من التعثر والرًيْث (البطء) أثناء غدوهم إلى مكة وكان زوجها قد قدم معها على ناقة ضامرة مسُسِنًة لا يبض ضرعها بقطرة من اللبن (ناقة مهزوله عجوز جفت أثداؤها من اللبن )
فلما حط الركب رحاله فى أرض مكة ذهبت حليمة كما ذهب غيرها إلى آمنة فلما علمت بأن طفلها يتيم لا أب له ولامال زهدت فيه كما وهدت صواحبها وقالت كما قلن : وما عسى أن يصنع لنا جده وأمه ؟ وحصلت كل مُرضع منهن على رضيع لها من أبناء السادة إلا حليمة فإنها رجعت من دونهن بغير طفل قال لها زوجها ما بالك ياحليمة قد عدت من دون صاحباتك صِفْرَ اليدين ؟ قالت لقد كان حظى اليوم نَكِدا فما وجدت من الرضعاء سوى طفل يتيم قد مات أبوه وليس له إلا جده وأمه فزهِدتُ فيه كما زهدتْ صواحبى وقلت وما عسى أن يصنع لنا جده وأمه وحالنا كما تعلم فى هذه السنة الشديدة ؟ لكننى والله مازلت مشفقة على هذا اليتيم مُذْ رأيته ومازالت نفسى تروادنى أن أعود إليه ف’خذه حدباً عليه وتعلقاً به لا رغبة فيما يعود علينا بسببه من بر 00!
قال لها زوجها : وما علينا إذا نحن أخذنا هذا اليتيم ياحليمة ؟ فَلأنْ ترجعى ومعك هذا اليتيم خير من أن ترجعى دون صواحبك فارغة اليدين قالت حليمة : إنى والله به لعَالِقة (تعنى أنها شديدة به والرغبة فيه )ولكنك تعلم شدة ما بنا من حاجة إلى المعونة والبر! قال زوجها: إذهبى إليه فخذيه فلعل الله أن يجعل لنا فيه بركة00!

(35)
النسمة المباركة
فذهبت حليمة إلى آمنة فأخذته منها فما هو إلا أن وضعته فى حجرها وضمته إلى صدرها حتى حَفَل ثَدْياها وأقبلا عليه بما شاء من لبن فرضع حتى شبع ثم أخذت وليدها الآخر فوضعته على ثديها فرضع كذلك حتى شبع00 وهكذا رضع الطفلان حتى امتلأ شبعاً وريا وكانت حليمة من قبل لا تجد فى ثديها ما تسد به رمق وليدها المسكين 0
وجلست حليمة تحكى لزوجها ما رأت وهو يعجب لما تحدثه به ويقول : لهل الله قد عطف على رضيعك ياحليمة فأطعمه ببركة هذا اليتيم الذى عطفتِ عليه 000!
وكان الجوع قد اشتد به وبزوجته وأرهقهما العطش وشدة الحر فقام إلى ناقته يعتصر منها رشفة لبن يتبلغان بها فما راعه إلا ضرع الناقة حافلاً ممتلئاً فما هو إلا أن يمسه بيده حتى يَدُرً منه اللبن دراً غزيراً فيشرب وتشرب زوجه حليمة حتى يكاد الرَىُ يخرج من أظفارهما 0
هنالك صاح الزوجان فرحاً واغتباطاً : لقد ــ والله ــ حصلنا على نَسَمة مباركة 000! وأقبلا على االطفل يُشبِعانه ضماً وتقبيلاً 0
وقامت حليمة إلى أتانها فركبتها وقام زوجها إلى ناقته فركبها واندفعا فى الطريق ليلحقا بالركب وكان الركب قد خلًفهما وأمعن فى السير إمعاناً شديداً وكان عجباً من العجب أن هذه الأتان الهزيلة التى كانت لا تكاد تخطو حتى تعثر ولا تكاد تنهض حتى تقع قد انطلقت الآن فى طريقها كاسهم فهى تطوى الأرض طيا وتنهبها نهباً ومن ورائها الناقه العجفاء (الهزيلة) تلاحقها ملاحقة شديدة وتسوقها سوقاً عنيفاً 0
فما هى إلا برهة يسيرة حتى أدركت حليمة صواحبها فى الركب وزاحمتهن بأتانها العرجاء حتى خلفتهن وراءها وهن يتضاحكن منها ويقلن لها : ارفُقى بنا يابنة أبى ذُؤَيْب ! أهذه أتانك العرجاء التى كنت تركبينها فى الغدو 00؟ فتضحك حليمة وتقول : إنها والله لهى 000! فيقلن متعجبات: لا والله إن لها لشأنا!
******

(36)
بركة فى كل شئ

وتقبل حليمة إلى بادية بنى سعد وترى من بركة هذا اليتيم مالم يكن يخطر لها ببال : خير يدر عليه من كل نا حية وبركات تحل عندها فى كل شئ هذه أغنامها تخرج إلى المراعى المجدب مع أغنام غيرها من أهالى الحى فتعود غنمها حافلات الضروع ممتلئات البطون وتعود أغنام سواها جياعاً ضامرات حتى ليظن الناس أن غنم حليمة ترعى فى المكان الخصب وأن أغنامهم ترعى فى المكان الجدب : فيعودون على رعيانهم باللوم والتقريع يقولون : لِم لا ترعون حيث ترعى غنم بنت أبى ذؤيب؟ فيقسم الرعيان أنهم لا يرعون إلا حيث ترعى غُنيمات حليمة وهكذا ظلت حليمة عامين كاملين وهى فى كل يوم ترى عجباً من بركة هذا اليتيم حتى أتمت مدة رضاعه وأصبحت ولا بد لها أن تعود به إلى أمه فجاءت به إليها وهى أشد ما تكون رغبة فى بقائه معها 0
فلما رأته آمنة سُرت به سروراً عظيماً واغتبطت أيما اغتباط حين رأته غلاماً جَفْراً (نامياً رابياً ) قد زكا ونما حتى لكأنه ابن أربع وهو لم يجاوز السنتين بعد فبرت حليمة وأرضتها وشكرت لها ما رأت من عنايتها وإخلاصها
قالت حليمة : لقد ــ والله ــ شب غلامك شاباً ما يشبه الغلمان وإنى لأخشى عليه وباء مكة فهلا أذنتِ لنا أن نعود به إلى البادية حيث الهواء الصحو والجو المنطلق والفضاء الرحيب حتى يتم تمامه ويشتد عُوده ؟ قالت آمنة لا عليكِ أن تفعلى ياظِئْر ــ الظئر ( المرضع 0 ومعنى العبارة أنها موافقة على أن تعود به حليمة إلى البادية ) فهوطفلى وطفلك حيث كان 000 فشكرت لها حليمة وعادت به إلى البادية وهى لا تملك نفسها من الفرح والاغتباط000

*********

(37)
البادية
العودة إلى البادية
رجعت حليمة برضيعها سعيدة مسرورة ورجع رضيعها كذلك سعيداً مسروراً بعودته إلى البادية فقد ألفت عيناه فضاءها الرحب الذى لا تحده حدود ولا تقيده قيود وألفت نفسه حياة البساطة التى تلائم طبيعة الأطفال بما فيها من حرية وانطلاق فما كادت ظئره حليمة تصل به إلى البادية حتى انطلق فيها بملء حريته يدرج مع الاطفال حيث يدرجون ويمرح حيث يمرحون على رمالها السهلة وبطاحها الواسعة وأرضها المنبسطة 0
وأرخت له ظئره العنان كما ترخيه لأولادها فكان يخرج معه إلى المراعى حيث ترعى الأغنام وأخته " الشيماء" تحضنه (من الحضانة: وهى رعاية الطفل القيام بشئونه )وتراعيه فتحمله أحياناً إذا اشتد الحر وطال الطريق وترسله أحياناً فيدرج وراء الخراف والنعاج يحوشها بعصاه وقدماه الصغيرتان تغوصان فى الرمال السهلة الكثيفة فيكبو فوقها ثم ينهض ثم يكبو ثم ينهض حتى تدركه أخته الشيماء فتأخذه بين ذراعيها وتضمه إلى صدرها وتطبع على خديه قبل الحنان البخالص ثم تعود به إلى الظل حيث يجلس الرُعيان الصغار فى فيئ (الفئ: الظل ) شجرة من الأشجار القليلة أو تل من التلال العالية أو صخرة من الصخور البارزة هاربين من حرارة الشمس القاسية ووطأتها الشديدة 0

********

(38)
رعيان الغنم
هنالك يجلسون جميعاً غارقين فى صنوف شتى من اللهو يعملون أكواماً من الرمال أو يقيمون بيوتاً من الحجارة أو يقومون بتمثيل بعض مظاهر الحياة فى البادية فى بساطة لذيذة وسذاجة بريئة فلا يزالون كذلك حتى يحسوا ألم الجوع فيصيحون بإخواتهم ليسعفوهم بالطعام فسرعان ما يقبل الرعيان الكبار إليهم يحملون الطعام فى مناديلهم فيفرشونها على الارض ةيبسطون عليها الطعام ويستدير الجميع حولهم حلقاً ثم يقبلون على طعامهم هذا الخشن فيلتهمونه إلتهاماً فى شهية مفتوحة ونفس راغبة فإذا ما إنتهوا من ذلك استلقوا على الرمال واستسلموا للنوم فكان الرعيان الصغار أسرعهم له استجابة فما أسرع ما يلقى بهم فى أحضانه ويطير بهم فى جو من الاحلام السعيدة فلا يزال ينتقل بهم من عالم إلى عالم حتى يوقظهم مس الشمس أو صوت الكلاب الحارسة وهى تنبح أحد القادمين من الغادين أو الرائحين 0
حينذاك يهب الرعيان سراعاً يتفقدون أغنامهم فيرون بعضها لا يزال راقداً وبعضها قد استدرجته طرواة المساء فأخذ يسرح فيما حواليه يلتقط ما عسى أن يجده من أعود الحشيش والعشب أو لحاء الشجر وفروعه وأوراقه حتى إذا امتدت الظلال وهدأت وقدة الشمس وهبت نسمات المساء عليلة باردة أخذوا عصيهم وصاحوا بأغنامهم فهبت من مراقدها فيجولون بها جولة أو جولتين ثم يعودن بها مع الغروب إلى الحى فيلقاهم أهله بالبشر والسرور إن كانت شباعاً باللوم والتقريع إن كانت جياعاً 0

*****

(39)
ليالى البادية
ويبسط الليل رداءه على البادية فيأوى كل إلى كنه ( المسكن ) ويجتمع ما تفرق من شمل القوم حول الطعام فيتناولون عشاءهم من لبن الأغنام أحياناً ومن لحومها أحياناً قانعين فى أكثر الأحيان بلقيمات من خبز الشعير أو بشئ من حب الشعير الجاف يسفونه سفاً ثم يسيغونه بالماء فى قناعة ورضافإذا ماانتى العشاء تحلق (استدروا ) الرجال حول النيران يسمرون وتجمع الأطفال يلعبون ألعابهم الساذجة غى نور القمر الزاهى أو فى ضوء النجوم الامعة فأحيانا يمثلون غارة على قوم فتقوم بينهم معركة شديدة ينتصر فيها فريق ةينهزم فريق وأحياناً يمثلون هجمة الذئب على الغنم يقومون فيها بدورالكلاب والرعيان فى مقاومة االذئب حتى يفر الذئب هارباً وأحياناً يتحلقون حول واحد منهم أو حول واحد من قصاص الحى يستمعون إلى حكاياته وأمثاله 0
وهكذا تمر الأيام والليالى تباعاً والبادية على حالها تلك لا يكاد يتغير من حالها شئ إلا ما يكون من تغير الجو فى الفصول من حر الصيف إلى برد الشتاء إلى اعتدال الربيع وإلا ما يكون لذلك من أثر فى رجال البادية ونسائها من نشاط أو فتور 0
أما الأطفال فهم فى شغل عن الحر والبرد بما هم فيه من لهو وعبث وما هيئ لهم فى فضاء البادية الرحيب من حرية وإنطلاق فهم أحرا طلقاء دائماً فى الليل والنهار والنوم واليقظة والغدو والرواح لا تخضعهم لسلطانها تقاليد القبيلة ولا أحكام البادية ولا يحدُ من نشاطهم تحكم الآباء فيهم ولا خوف الأمهات عليهم0

****

(40)
حرص حليمة على رضيعها
على أن حليمة كانت من دون النساء فى هذه البادية شديدة الرعاية لوليدها محمد شديدة العناية به والخوف عليه تخشى عليه الليل والنهار وتخشى عليه الحر والبرد وتخشى عليه الأحداث وتخشى عليه كل شئ 00
كانت تحبه حباً شديداً وكانت ترى من حالة أنه غلام ليس كالغلمان وكانت ترى من بركته ما يزيدها تعلقاً به وحرصاً عليه وكانت تحس أن الناس جميعاً يحسدونها عليه ويريدون أن يتخطفوه منها لذلك كانت تلاحقه بعينها حيثما كان وتحوطه من رعايتها وعنايتها بأكثر مما تحوط به أولادها 0أفزعها الحر ذات يوم فخرجت تطلبه فى وقت الظهيرة والناس من حولها قائلون (مستريحون فو وقت القيلولة ) والبهم (ضغار الغنم )
الاغنام قد أوت إلى الظل تستجير به من وهج الشمس فوجدته مع الشيماء مقبلاً على الحى فجعلت تلوم ابنتها وتقول فى ألم وغيظ فى هذا الحر ياشيماء 000! فقالت أخته: لا تجزعى ياأمى فوالله ما وجد أخى حر 000 لقد وجت غمامة تظله حيثما ذهب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع 0
****

جزاك الله كل خير
ولا حرمك الأجر والثواب

اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(41)
حفظ الجميل
لقد ظل محمد يحفظ لها الجميل دائماً فما نسى يوماً أنها ظِئرُه التى أرضعته من ثديها وغذته بلبنها وأن لها عليه حق الأم على ولدها بل لم ينس أن يحفظ هذا الجميل لقبيلتها بنى سعد بن بكر بن هوازن فظل دائما يذكر أنه نشأ فى باديتهم وتربى بين ظَهْرانَيْهم ( بينهم ) وكان له منهم إخوة وأخوات وآباء وأمهات وأهل وعشيرة 0
حضرت إليه حليمة ذات يوما وهو يتجر فى مال خديجة فشكت إليه حالها وما تلاقيه من شدة العيش فى البادية فكلم لها خديجة فمنحتها بعيراً وأربعين شاة وردتها مكرمة إلى أهلها 0
واستأذنت عليه مرة أخرى وهو رسول الله فأذن لها فلما دخات عليه قام لها متهللاً يقول "أمى ! أمى " ثم بسط لها رداءه وأجلسها عليه ثم جعل يلاطفها فأدخل يده الشريفة من دون ثيابها فمس صدرها مسا رفيقاً وهو يبتسم لها ابتسامة الابن البار لإمه الحنون كأنما يريد أن يشعرها بأنه لن ينسى لهذا الصدر ما غمره به من حنان وما أفاض عليه من بر ثم سألها عن حاجتها فقضى لها ما أرادت 0
ولما إنتصر ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المشركين فى غزوة حنين وغنم كثيراً من أموالهم وسبى كثيراً من نسائهم وذراريهم أتى إليه وفد من قبيلة " هوازن " يرجون أن يعفو عنهم ويرد إليهم أموالهم وأولادهم ونساءهم وكان فهم عمه من الرضاعة فاستشفعوا به إليه فتقدم بين يديه يعلن خضوع القوم وإسلامهم ويقول : يارسول الله إنما فى هذه الحظائر من كان يكفلك من عماتك وخالاتك وحواضنك وقد حضناك فى حجورنا وأرضعناك بثدينا لقد رأيتك مرضعاً فما رأيت مرضعاً خيراً منك ورأيتك فطيماً فما رأيت فطيما خيراً منك ثم رأيتك شاباً فما رأيت شاباً خيراً منك وقد تكاملت فيك خلال الخير ونحن مع ذلك أصلك وعشيرتك فامنن علينا من الله عليك 000! ،،
وكان النبى قد جعل ينتظر قدومهم عليه حتى يئس من قدومهم فقسم بين المسلمين أموالهم وسباياهم ولكنه مع ذلك لم يشأ أن يردهم خائبين لأنهم أسلفوا إليه الجميل فى صغره فقال لهم " لقد أستأنيت بكم ( انتظرت وتمهلت ) حتى ظننت أنكم لا تقدمون وقد قسمت السبى وجرت فيه السهمان فما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم وأسأل لكم الناس 00 فإذا صليت بالناس الظهر فقولوا : نستشفع برسول الله إلى المسلمين ونستشفع بالمسلمين إلى رسول الله 00 فإنى سأقول لكم : ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم وسأطلب لكم إلى الناس "
فلما صلى الظهر بالناس قام وفد هوازن فقالوا كما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليهم ما كان له ولبنى عبد المطلب وجعل يرغب الناس ويترضاهم حتى ردوا عليم نسائهم وأبنائهم وضرب النبى بذلك أروع الأمثال فى حفظ الجميل لمن أولى الجميل 0

****

(42)
شق الصدر
قلب حليمة
ظل محمد فى بادية بنى سعد حتى بلغ أربع سنين يحيا حياة الأعراب فى البادية ويتكلم لغتهم ، ويلبس ملابسهم ويشارك الأطفال فى جِدهم ولعبهم وغدوهم ورواحهم يغدو فى الصباح مع إخوته حين يغدون بالغنم إلى مراعيهم ويروح معهم فى المساء حين يعودون بها إلى حظائرهم وكانت ظئره حليمة لا تفتأ توصى به إخوته كلما خرج معهم وتحذرهم أن يتهاونوا فى رعايته وحفظه أو يذهبوا به بعيداً حتى ينقطعوا عن الحى 0
كان قلب حليمة دائماً ممتلئاً بالخوف عليه وكانت نفسها مفزعة جازعة فهى لا تكف أبداً عن مراقبته ولا تفتر عن السؤال عنه ساعة بعد ساعة كأنما كانت تحس أن شيئاً سيحدث له كلما غاب عنها ولو استطاعت حليمة أن تحبسه فى دارها مخافة الأحداث لفعلت ولكنها لا تستطيع أن حياة البادية لا تعرف القيود ولا الحدود إنما هى حياة الحرية الواسعة والإنطلاق الحر تستمد طبيعتها من فضاء البادية الرحب وجوها المنطلق وآفاقها الفسيحة0

(43)
الحادث الخطير
وكان ما خافت حليمة أن يكون فبينما هى ذات يوم فى دارها مشغولة ببعض شأنها إذ أقبل ولدها يشتد ( يجرى ) نحو الحى وهو يصيح : ذاك أخى القرشى قد قتل 000! ياوحيداه 0000! يايتيماه 000! استضعفوك فقتلوك 000! حتى وصلت إليه فوجدته قائماً منتقعاً لونه ، فصاحت به : يابنى ، ألا أراك حيا بعد 000! وانكبت عليه تضمه إلى صدرها وتغمره بحنانها وهى لا تستطيع أن تمنع نفسها من البكاء 0
****

(44)
الرسول يصف الحادث
ويصف ــ صلى الله عليه وسلم ــ هذا الحادث لأصحابه فيقول : " 00 بينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلى فى بطن واد مع أتراب ( رفقاء) لى من الصبيان نتقاذف بيننا بالجلة (البعر ) إذ أتانا رهط ( جماعة) ثلاثة معهم طست من ذهب ملئ ثلجاً فأخذونى من بين أصحابى فخرج أصحابى هراباً مسرعين إلى الحى يؤذنونهم ويستصرخونهم ( يخبرونهم ويستنجدون بهم ) على القوم 000
فعمد أحدهم فأضجعنى على الأرض إضجاعاً لطيفاً ثم شق ما بين مفترق صدرى إلى منتهى عانتى ( ما تحت السرة ) وأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مساً ثم أخرج أحشاء بطنى ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها مكانها ثم قام الثانى منهم فقال لصاحبه : تنح فنحاه عنى ثم أدخل يده فى جوفى فأخرج قلبى ــ وأنا أنظر إليه ــ فصدعه ( شقه ) ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده ( أهوى بيده ) يمنة منه كأنه يتناول شيئاً فإذا أنا بخاتم فى يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به فلبى فمتلأ نوراً ـــ وذلك نور النبوة والحكمة ــ ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم فى قلبى دهراً 00
" ثم قال الثالث لصاحبه : تنح فتنحى عنى فأمر يده مابين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى فالتأم ذلك الشق بإذن الله ثم أخذ بيدى فأنهضنى من مكانى إنهاضاً لطيفاً ثم قال للأول الذى شق بطنى : زنه بعشرة من أمته فوزنونى بهم فرجحتهم ( زدت عليهم ) ثم قال : زنه بمائة من أمته 0 فوزنونى بهم فرجحتهم ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنونى بهم فرجحتهم فقال : دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم 000
" قال : ثم ضمونى ألى صدورهم وقبلوا رأسى وما بين عينى ثم قالوا : يا حبيب لا ترع ( لا تخف ) إنك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرت عيناك !00 "قال : فبينا نحن كذلك إذا أنا بالحى قد جاءوا بحذافيرهم وإذا أمى ــ وهى ظئرى ــ أمام الحى تهتف بأعلى صوتها وتقول : يا ضعيفاه00! فانكبوا على فقبلوا رأسى ومابين عينى وقالوا : حبذا أنت من ضعيف00! ثم قالت ظئرى : ياوحيداه 00! فانكبوا على فضمونى إلى صدورهم وقبلوا رأسى وما بين عينى ثم قالوا : حبذا أنت من وحيد ، وما أنت بوحيد ، إن الله معك وملائكته والمؤمنون من أهل الأرض 00! ثم قالت ظئرى : يايتيماه 00! استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك 00! فانكبوا على فضمونى إلى صدروهم وقبلوا رأسى وما بين عينى ، وقالوا حبذا أنت من يتيم00! ما أكرمك على الله 000! لو تعلم ماذا يراد بك من الخير 000! فوصلوا إلى شفير الوادى 000
" فلما بصرت بى أمى ــ وهى ظئرى ــ قالت : يابنى ، ألا أراك حيا بعد 000! فجاءت حتى انكبت على وضمتنى إلى صدرها فوالذى نفسى بيده إنى لفى حجرها وقد ضمنى إليها وإن يدى فى يد بعضهم00! فجعلت أتلفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم فإذا هم لا يبصرونهم 000
" ويقول بعض القوم : إن الغلام قد أصابه لمم (جنون) أو طائف من الجن فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه فقلت : ياهذا ، ما بى شئ مما تذكر إن أرادتى سليمة وفؤادى صحيح ليس بى قلبة ( علة) فقال أبى من الرضاع :ألا ترون كلامه كلام صحيح ؟ إنى لأرجو ألا يكون بابنى بأس 000
فاتفقوا على أن يذهبو بى إلى الكاهن فاحتملونى حتى ذهبوا بى إليه فلما قصوا عليه قصتى قال : اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم فسألنى ، فاقتصصت عليه أمرى ما بين أوله وآخره فلما سمع قولى وثب إلى وضمنى إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته ياللعرب ! ياللعرب ! اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه فواللات والعزى لئن تركتموه فأدرك ليذ لن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط !00
" فانتزعتنى ظئرى من حجره وقالت : لأنت أعته وأجن من ابنى هذا فطلب لنفسك من يقتلك فإنا غير قاتليه 00! ثم احتملونى فردونى إلى أهلى فأصبحت مفوعاً مما فعل بى وأصبح أثر الشق ما بين صدرى إلى منتهى عانتى كأنه الشراك ( السير من الجلد )
***

(45)
مخاوف حليمة
كانت هذه الحادثه حدا فاصلاً بين رسول الله والبادية فقد أصبحت ظئره حليمة منذ ذلك اليوم واجفة القلب هالعة الفؤاد لا تطمئن على فطيمها لحظة ولا تدرى كيف يتسنىلها أن تحافظ عليه بعد ذلك وقد رأت مات رأت وسمعت بأذنيها ما سمعت وزادها هلعا وفزعا قول ذلك الكاهن المجنون الذى كاد يفتك به لولا أنها استطاعت أن تخلصه من يديه وتنجوبه هاربة إنها لا تأمن أن يعود إليه جنونه فيفتك بالغلام حين يظفر به فى أية فرصة وإنها لتخشى عليه كذلك هؤلاء الرجال الأجانب الذين انقضوا عليه فى الوادى فكادوا يقتلونه إنها لا تدرى من أمرهم شيئاً ولا تدرى لم اختاروه هو من دون أصحابه 00 هل استضعفوه لأنه يتيم ليس له أب يحميه ؟ أم كانوا يريدون أن يخطفوه ليبيعوه فأحيط بهم فاستعصى عليهم؟ أم هم اصوص فتاكون سفاكون لا هم لهم إلا إراقة الدماء وقتل الأنفس 000؟ إن أخشى ما تخشاه أن يكونوا طُلاب ثأر عند بنى عبد المطلب فجاءوا ألى هذا الغلام يأخذونه بثأرهم ويفجعون فيه أهله وعشيرته وإنها لا تأمن أن يعودوا إليه مرة أخرى فيقتلوه أو يختفوه 0
وهكذا ظلت حليمة نهباً للهواجس والظنون حتى أصبحت المخاوف تتراءى لها فى كل ناحية ، وتتمثل لها فى كل شئ فجعلت هى وزوجها ينظران ويتدبران الأمر فى شأن هذا الصبى 000 قال زوجها : إنى لأخشى أن يكون هذا الغلام قد أصيب فانطلقى بنا إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف 0
قالت حليمة : فاحتملناه فلم ترع أمه إلا به فقدمنا به عليها فقالت ما رد كما به ياظئر وقد كنتما عليه حريصين؟ فقلنا : لا والله 000 إلا أن الله قد أدى عنا وقضينا الذى علينا وقلنا ــ نخشى الإتلاف والأحداث ــ : نرده إلى أهله
قالت : ما ذاك بكما ( ليس هذا هو السبب الذى دنعكما إلى رده ) فاصدقانى شأنكما00 فلم تد عنا حتى أخبرناها خبره 0
قالت : " أخشيتما عليه الشيطان ؟ كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل ! والله إنه لكائن لابنى هذا شأن 00 ألا أخبر كما خبره ؟ قلنا : بلى 0 قالت : حملت به فما حملت حملا قط أخف منه فأريت فى النوم حين حملت به كأنه خرج منى نور أضاءت له قصور الشام ثم وقع حين ولدته وقوعاً ما يقعهُ المولود معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء 00 فدعاه عنكما "

(46)





وفاة آمنة





وحشة الغريب

عاد محمد إلى مكة فعاد إلى الأرض التى نبتت فيها أصوله وتعمقت فيها جذوره وتفرعت فيها بطلنته وأهله 0 فكان حَرِياً أن تقر بذلك الجو الجديد ويعيش فيه عيشة المستوحش الغريب 0
نعم كان كل شئ جديداً عليه فى ذلك الجو وإذ لم يكن قد ألف غير مناظر البادية فى امتداد أطرافها وسعة آفاقها وانبساط أرضيها وفى صمتها البالغ وهدوئها الشامل وسكونها الدائم وفى هذا العدد القليل من سكنها الذين يعرفهم ويعرفونه ويألفهم ويألفونه وفى هذه المساكن الساذجة التى يتخذونها من الخيام تارة ومن أكنان الجبال تارة ويأوون إليها إذا آذاهم البرد أو أرهقهم الحر 0
أما هذه القصور الشاهقة وهذه الأبنية المتلاصقة وأما هذه الجموع المتراكمة وهذه الأنفس المتزاحمة وأما هذه الحدود وهذه القيود 000 فشيئ جديد عليه ولم يألفه نفسه الحرة ولم يستسغْه فؤاده المنطلق فكان من الطبيعى أن يستشعر الوحشة فى هذا الجو الغريب ، وألا يأنس إليه ويمتزج به إلا بعد لأْى ( بعد مشقة ووقت ) 0
من أجل ذلك ظل فترة طويلة وهو يعيش بخياله فى جو البادية ، يحن إلى حياتها السهلة ومعيشتها الساذجة ويستشعر الحنان والحب فى عطف ظئره حليمة ورعاية أخته الشيماء ولا يتخيل الأنس والسعادة إلا فى زمالة أتراب
(الأتراب ــ الزملاء فى السن ) البادية ولا المرح واللذة إلا فى اللعب معهم والحديث إليهم 0
ولكن أين هو الآن ؟ إنه بين أهله وذويه وفصيلته التى تؤويه00 فى حضن أمه الحبيبة حيث الحنان الطبيعى الذى لا يماثله حنان وحيث الحب الخالص الذى ينبعث فياضاً بلا حساب وفى رعاية أهله وعشيرته من الآباء والأمهات والأعمام والعمات والأخوال والخالات والإخوة والأخوات 00هو إذن فى مكانه الطبيعى الذى لا ينبغى أن يكون إلا فيه0

(47)





وفاة آمنة


الأمتزاج بالوطن



وقد أحاطته هذه العشيرة بالعطف والرعاية وغمرته من جميع نواحيه بالحنان البالغ فملأت كل ماكان يحسه من فراغ وأنسته كل ماكان يجده من وحشة فما أسرع ما استجاب لها واندمج فيها وما أسرع ما استبدل أهلا بأهل وأحباباً بأحباب 0 وبسطت عليه حياة مكة سلطانها فصار مكياً كأهل مكة وتبينت له فيها معالم لم يكن يراها فظل يعرفها واحدة بعد واحدة حتى عرفها جميعاً00
هذه هى الكعبة بيت الله الحرام الذى يحج إليه الناس من مشارق الأرض ومغاربها وهذه هى دار الندوة مُجتمعَ قريش ومنتداها ومعقد أفراحها وأترحها وقضاياها 00 وهذه رحلة الشتاء إلى الجنوب وهذه رحلة الصيف إلى الشمال ، تذهب فيها العير محملة بحاصلات الحجاز وتعود محملة بحاصلات الشام والعراق واليمن وبلاد الحبش ، فتحتفل بها قريش أيما احتفال 00 هذه وفود الحاج تأتى إلى مكة فى موسم الحج فتملئ بها الدور والقصور وتغص بها الطرق والرحاب وتعمر الأسواق بالسلع والبضائع وتنشط حركة البيع والشراء والأخذ والعطاء 00 وهذه ، وهذه، وهذه 00
من مظاهر الحياة فى مكة مازال يعرفها ويألفها حتى امتزجت بها نفسه واصطبغت بها حياته0

(48)





وفاة آمنة


إلا الأصنام



لكن شيئاً واحداً لم تألفه نفسه ولم يستطع أن يمتزج به أو يأنس إليه00 هو هذه الأحجار التى يعظمها أهل مكة والتى يسمونها آهة يعبدونها ويقدسونها ويقربون لها القرابين وينحرون لها الذبائح ويلجأون إليها فيما جل وهان من شئونهم 00 لقد نفرت نفسه منها نفوراً شديداً فلم يشارك القوم فى تعظيمها ولا فى عبادتها ولم يتقدم لها يوماً من الأيام راغباً ولا راهباً وأخذ عقله الصغير يتفتح فيعجب من فعل هؤلاء القوم ، ويسأل :ــ كيف استساغوا لأنفسهم أن يستسلموا لهذه الحجارة وهم يصنعونها بأيديهم ؟ أهى التى تطعمهم إذا جاعوا وتسقيهم إذا عطشوا وتشفيهم إذا مرضوا ؟ 00 أهى التى ترزقهم ما ينعمون به من طيبات الرزق وتكفيهم ما يحل بهم من مصائب الدهر ؟ 00 إن هى إلا حجارة صماء لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ولا تعى ولا تملك من أمرها نفعاً ولا ضراً ولكن القوم يستسلمون لها ويتأثرون بها تأثراً شديداً 0
وأصر على ألا يشارك القوم فيما يفعلون لهذه الأحجار ، فهجر الأصنام وقلاها ( كرهها ) وخاصمها ونفر منها ولم تكن سنُه بحيث تلفت إليه أنظار القوم فظنوه طفلا لم يبلغ بعد سن الإدراك والفهم0

<**** http-equiv="Content-Type" content="text/html; charset=utf-8"><**** name="ProgId" content="Word.Document"><**** name="Generator" content="Microsoft Word 12"><**** name="Originator" content="Microsoft Word 12">
(49)
وفاة آمنة
محمد يزور يثرب
وحين بلغ السادسة من عمره ، ذهبت به أمه الى يثرب ، ليزور أخواله بنى عدى بن النجار ؛ وصحبته فى هذه الرحلة حاضنته أم أيمن ، وهى ((بركه )) الحبشية ، جارية أبيه التى خلفها له مع ما خلف من ميراث قليل. فلما نزل على أخواله أحسنوا وفادته وأكرموا مثواه ، فأقام عندهم شهرا ، جاب فيه رحاب المدينه ، ورأى كثيرا من معالمها ، وخالط كثيرا من أطفالها ، وأنس اليهم وأنسوا اليه . ولاشك أنه وجد فى أطفال المدينه هذه الرقه التى امتاز بها أهلها ، فامتزجت نفسه بنفوسهم ، وتوثقت بينه وبينهم صلات الاخاء والحب .
وانطبعت فى ذهنه صورة حيه للمدينة ، ببساتينها وحدائقها ، ونخيلها ومزارعها ، وينابيعها الجارية ، وآطامها العاليه ، ومياهها العذبة ، فلم ينسها قط .
وظلت هذه الصورة الجميلة مطبوعة فى نفسه ، حتى هاجر اليها وهو رسول الله ؛ فكان يذكر لأصحابه كثيرا من معالمها ، ويذكر معها كثيرا من أحداث الطفولة وذكرياتها ، ومن أترابه الذين خالطهم وأنس اليهم فى ذلك العهد البعيد .
نظر الى أطم بنى عدى بن النجار فعرفه ، وقال : (( كنت ألاعب أنيسة ، جارية من الأنصار ، على هذا الأطم ؛ وكنت مع غلمان من أخوالى ،نطير طائرا يقع عليه )).. ونظر الى الدار التى نزل فيها ، وهى دار النابغه
فقال : " ههنا نزلت بى أمى .. وفى هذه الدار قبر أبى ، عبد الله بن عبد المطلب . وأحسنت العوم فى بئر بنى عدى بن النجار " .
وفى هذه الرحله رأى محمد قبر أبيه . ولاشك أنه بكى حين رأى أمه تبكى عند هذا القبر . ولعل هذه أول مرة أحس فيها لذع الحزن فى فؤاده ؛ ولعلها كذلك أول مرة عرف فيها معنى اليتم ، حين رأى نساء بنى عدى يواسين أمه ويعزينها فى فقد عبد الله ، وعيونهن تذرف الدمع ، وأصواتهن يخنقها البكاء ؛ وحين رأى الرجال يخصونه بمزيد من العطف والرحمة .
انها مظاهر تلفت الذهن الذكى وتدفعه الى التساؤل . وما أكثر تساؤل الأطفال فى مثل هذه الحالات ، وما أرهف احساسهم وأرق عواطفهم ! وما أسرع ادراكهم للحقائق حين يحاول الكبار أن يموهوها عليهم ، ظنا أنهم لايدركون ! ثم ما أكثر ما يتبرع الأطفال بعضهم لبعض ، بكشف ما خفى من هذه الأسرار ، وما استتر من هذه الأخبار ..!

<**** http-equiv="Content-Type" content="text/html; charset=utf-8"><**** name="ProgId" content="Word.Document"><**** name="Generator" content="Microsoft Word 12"><**** name="Originator" content="Microsoft Word 12">
( 50)
الحادث الأليم
ثم رجعت به أمه إلى مكه . فلما قطعت به من الطريق نحو مرحلة ، فاجأها الموت عند قرية " الأبواء " ، فدفنت هنالك ... ورجع محمد وحيدا ، تفيض عيناه بالدمع ، ويمتلىء قلبه بالأسى والحسرة .
لاشك أن هذا الحادث لم يمر به مرا خاطفا ، بل ترك فى نفسه أعمق الأثر وأقواه ... نعم إنه كان لا يزال طفلا ، ولكنها هى أمه .. أمه الحبيبة التى لم يكن له سواها بعد فقد أبيه ، والتى كانت له منبع الرحمة والحنان والحب ، والتى كان يجدفى ظلها برد الراحة والسكينة ، والتى كان يستطيع أن يبثها شكواه مما يلم به من ألم ، أو يناله من هم ..! لقد كان طفلا مرهف الإحساس جياش العواطف ، تغنيه اللمحة عن النظرة ، وتغنيه النظرة عن الإشارة ، وتغنيه الإشارة عن الكلمة ويدرك غيره من قريب .. فكان قلب أمه وحده ، هو الذى يستطيع أن يتجاوب مع إحساسه المرهف ، وذكائه اللماح .
إن هذه الحادثة لم تذهب من خياله قط ، وكان لها فى نفسه أبعد الأثر وأبقاه ، فظل ذكرها حيا فى فؤاده ؛ وكان وهو رسول الله يذكرها ، فتفيض نفسه بالرحمه والحنان ، وتأخذه الرقة لها فيرجو أن يشملها الله برحمته ، ويسأله المغفرة لها جزاء ماقدمت له من بر ، وما أفاضت عليه من حنان ؛ ولكن " الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ؛ فيأمى لذلك رسول الله ، ويبكى حتى يبكى أصحابه .
عن عبد الله بن مسعود قال : ( خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينظر فى المقابر ، وخرجنا معه ؛ فأمرنا فجلسنا ، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها ، فناجاه طويلا ؛ ثم ارتفع نحيب رسول الله باكيا ، فبكينا لبكاء رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . ثم إن رسول الله أقبل علينا ، فتلقاه عمر بن الخطاب فقال : يارسول الله ، ماالذى أبكاك ؟ لقد أبكانا وأفزعنا .. فجاء فجلس إلينا فقال : " أفزعكم بكائى ؟ " قلنا : نعم . قال : " إن القبر الذى رأيتمونى أناجى ، قبر آمنة بنت وهب . وإنى استأذنت ربى فى زيارتها فأذن لى ؛ واستأذنت ربى فى الاستغفار لها فلم يأذن لى فيه .. فأخذنى ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة ؛ فذلك الذى أبكانى ! " ) .

<**** http-equiv="Content-Type" content="text/html; charset=utf-8"><**** name="ProgId" content="Word.Document"><**** name="Generator" content="Microsoft Word 12"><**** name="Originator" content="Microsoft Word 12">
يتيم عبد المطلب
(51 )
رعاية اليتيم
رجع محمد من رحلته إلى يثرب ، يتيم الأبوين ، قد فقد أمه كما أباه ، ولم يكن قد جاوز السادسة بعد ، ولم يكن له مال موروث يستطيع أن يعيش منه ؛ فكل ماتركه له أبوه خمسة جمال ، وقطعة صغيرة من الغنم ، وجاريته أم أيمن ؛ تلك الفتاة الحبشية التى كانت تسمى " بركة " ، والتى تكن قد تزوجت بعد ولا أنجبت ولدها أيمن .
ولكن الله عطف عليه قلب هذه الجارية ، فحصنته ورعته وكانت له أما مكان أمه ؛ وقلب جده الشيخ عبد المطلب ، فحبه وأحاطه وكان له أبا مكان أبيه . ونزل محمد من هذين القلبين الكريمين منزلة البنوة الحقة ، يجد لديهما من الإعزازوالإكرام ، ومن الرعاية والعناية ، ومن الإيثار والحب ، فوق ما يجده الأبناء من آبائهم وأمهاتهم .
كان عبد المطلب سيد قريش ، وكان لقريش تقاليدها فى تربية أبناءها ، وأخذهم منذ الطفولة باحترام الآباء وهيبتهم ، والوقوف معهم على حدود الأدب والوقار ، فلم يكن الولد يستطيع أن يجالس أباه إلا حين يبلغ سن الرجولة .
وكانت مجالس الآباء خالصة لهم ، لايغشاها الأبناء ما داموا صغارا ، فإذا بلغوا مبلغ الرجال جازلهم أن يخالطوا الآباء ، ويشاركوهم فى مجالسهم وأحاديثهم ؛ لكن مع الأدب والوقار الكامل ،واإحتشام الذى لا يجعل لولد رأيا فوق رأى أبيه ، ولا حكم بعد حكمه . وكان هذا أدبا سائدا فى قريش ، وتقليدا يشب عليه الصغار منذ يدركون ويعقلون .
وكان من عادة عبد المطلب بن هاشم أن يتخذ له مجلسآ بجوار الكعبة ، يتحدث فية إلى رجال قريش ويتحدثون إ ليه ؛ فكان يفرش له فراش فى ظل الكعبة ، بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه ، لا يجلس عليه أحد منهم إجلالا له ؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه يأتى وهو غلام جفر يجلس على فراش جده ، فأتى أعمامه لؤخروه عنه ، فكان عبد المطلب يمنعهم إذا رآهم ن ويقول:‘‘ دعوا ابنى ، إنه ليؤنس ملكا...!‘‘ ثم يجلسه معه على فراشه ، ويمسح ظهره بيده ، ويسره ما يراه يفعل .
وكان يقربه منه ويدنيه ، ويدخله عليه إذا خلا وإذا نام ، ويرق له رقة لم يرقها لولده ؛ وكان لا يأكل طعاما إلا قال: ‘‘على يانبى .‘‘ فؤتى به إليه.

<**** http-equiv="Content-Type" content="text/html; charset=utf-8"><**** name="ProgId" content="Word.Document"><**** name="Generator" content="Microsoft Word 12"><**** name="Originator" content="Microsoft Word 12">
(52)
قلب عبد المطلب
وكان ينظر نحوه بعاطفتين : عاطفة الأبوة المبشوبة ، التى كانت تملأ قلبه حبا ، وتملأ نفسه حنانا ورقة ؛ فهو ابن ولده عبد الله ن احب أبنائه إليه وآثرهم عنده ، والذى كان موته ضربة قاصمة هوت عليه فآدته وتركت فى قلبه جرحا غائرا عميقا .فما هو إلا أن ولد محمد ، حتى وجد فيه
عبد المطلب صورة ابنه عبد الله ، فأفرغ عليه كل ما فى من حب وحنان لم يكن يسميه إلا ابنه.
وكان مع هذه العاطفة عاطفة أخرى تزيد من فعلها وتذكيها ، هى عاطفة الإعجاب والزهو بما كان يبدو عليه – صلى الله عليه وسلم – من آيات العنانةالربانية ؛ فقد كان كل شىء فيه يدل على أنه طفل لا كالأطفال ، وأنه كائن له فى مستقبله شأن أى شأن . وقد أحس عبد المطلب هذا ، وتنبأ به من أول يوم ولد فيه ، صلى الله عليه وسلم ، فما كان يتحدث عنه قط إلا بصيغة الإعزاز والإعجاب ، والثقة بالمستقبل العظيم الذى ينتظرة.

<**** http-equiv="Content-Type" content="text/html; charset=utf-8"><**** name="ProgId" content="Word.Document"><**** name="Generator" content="Microsoft Word 12"><**** name="Originator" content="Microsoft Word 12">
(53)
سمو الطفولة

وتجمع الرويات التاريخية على أن عبد المطلب كان حفيا بابنه محمد ، وأنه كان يوليه من العناية والرعاية ما لا يوليه أبناءه الذين من صلبه ،وكان يفتقده ويلاحظه فى كل أحواله .
وكأنما كان يحس ان الأجل مقصر به عن بلوغ ما يرجوه من رعايه هذا الغلام المعجب ، فكان لا يترك فرصه تمر حتى يوصى به كل ما يثق به من أهله .
ومما كان يزيد عبد المطلب تعلقا به وحرصا عليه ، ما كان يراه من إعجاب الناس به وبما كان يندو عليه من آيات السمو ؛ فقد كان – صلى الله عليه وسلم-مثلا يلفت الأنظار فى كمال أدبه ، وفى سمو خلقه ، وفى عزوف نفسه عن اللهو الباطل، وفى تنزهه عن التدنى فيما يتدنى غليه الأطفال ،من التهافت على الطعام والشراب،أو التطلع إلى ما يجلبه الآباء والأمهات ..لقد كان ذلك مثلا يلفت الأنظار، ويدعو إلى الاهتمام بشأن هذا الطفل الذى يسمو على الطفوله ن ويتعالى على نوازعها و مقتضياتها علوا كبيرا .
نعم كان فى ذلك موضع العجب والأهتمام من كل ما يراه ؛ فما كان محمد إلا طفلا يتيما ، قد نشأ فى قوم غلبت عليهم الجهالة ، وفشا فيهم الشرك ، وأسرفوا على أنفسهم فى اللذات والمتع ، " وقالوا : إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكناإلا الدهر" ..فكان من الطبيعى ان ينشأ الطفل المهمل ،بعد فقد الاب الذى يعنى بتأدبيه وتهذيبه ، والأم التى تعنى بتعليمه وتدريبه .
ولكن الله – تعالت حكمته – أراد له هذا اليتيم المبكر ، ليكون هو الذى يحوطه بعنايته ويكلأه بعينه ، ويكلمه بما يرضى له من الأخلاق والآداب؛ وليسبغ عليه من آيات فضله ما يجعله آيه للناس ، ونوذجا حيا للبشر الكامل، الذى ادبه ربه فأحسن تأديبه ، وصنعه فاتقن صنعه ،وأعده لما أراد به من الكرامه ؛ و" الله اعلم حيت يجعل رسالته" .
********
كان أمر هذا اليتيم موضع العجب حقا ، وكان محط الأنظار من كل من رآه ؛ فكان ذلك مما زاد جده الشيخ تعلقا به ، وحياطة له ، واهتماما بشأنه.
قال قوم من " بنى مدلج " لعبد المطلب : احتفظ به ، فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التى فى المقام منه . فقال عبد المطلب لأبى طالب : اسمع مايقول هؤلاء ...
فكان عبد المطلب يحتفظ به ، ويحرص أشد الحرص على أن يكون هو الذى يرعاه ويحوطه .
ومعنى هذا ، أن هؤلاء القوم حين رأوا رسول الله وهو لا يزال غلاما حداثا ، لفت أنظارهم ما رأوا فيه من الآيات ، وأدهشهم ما يجدون من حاله ، وما يرون من عجائب صنع الله قيه ؛ فأخذوا يتأملونه ويفحصونه ، فرأوا أن قدمه أشبه شىء بقدم جده الأعلى إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام. والعرب كانوا ولايزالون من أقدر الأمم على معرفة الأقدام وقيافة الأثر .
وكما كانت هذه الظواهر والآيات تزيد عبد المطلب تعلقا بيتيمه ، كانت تزيده كذلك خوفا عليه ، فكان لايغفل عنه لحظة ، ولا يفتأ يتفتقده كلما غاب عنه ، ولا يهدأ له بال ولا يطمئن له قلب حتى يكون بجانبه .
قال عبد المطلب لأم أيمن : يابركة ، لا تغفلى عن ابنى ، فإنى وجدته مع غلمان قريبا من السدرة ، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى نبى هذه الأمة.
ويقول الرواه : إن حليمة قد مت به مكة وهو ابن خمس سنوات ، فأضلها فى الناس ، فالتمسته فلم تجده ؛ فأتت عبد المطلب فأخبرته ، فالتمسه عبد المطلب فلم يجده ، فقام عند الكعبة يدعو ويقول :
"لاهم : أد راكبى محمدا أده إلى واصطنع عندى يدا
أنت الذى جعلته لى عضدا أنت الذى سميته محمدا "
ويقص أحد الرواه القصة بأسلوب آخر ؛ فيحكى أنه كان يطوف بالبيت ، فسمع رجلا يقول هذا الشعر ، فسأل عنه ، فقيل : هو عبد المطلب ابن هاشم ؛ بعث بابن ابن له فى طلب إبل له – ولم يبعث به فى حاجة إلا نجح – قال : لبثنا أن جاء ؛ فضمه إليه وقال : لا أبعث بك فى حاجة بعد ....!
ولعل هذه الحادثة قد حدثت فى موسم الحج ، حين تزدحم مكة بالناس ،
ويصعب السير فى مسالكها على الصغير والكبير . وسواء أصحت هذه الرواية أم تلك ، فهى دليل على مبلغ المكانة التى كانت لمحمد فى قلب جده عبد المطلب .

جزاكم الله خيرا الجزاء

قال صلى الله عليه وسلم

((كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان الى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده))
متفق علي
ه

(54 )
تبادل العواطف
وكان من الطبيعى أن يبادله محمد هذه العاطفة ، وأن يحبه أكثر مما يحب أحدا من أهله . فما أسرع انجذاب الطفل إلى من يحنو عليه ، وما أشد تعلقه به واندفاعه إليه .
ولما مات عبد المطلب بن هاشم ، أحس محمد ألم الفاجعة ، وأدرك عظم المصيبة ، وعرف أنه فقد القلب الكبير الذى يحنو عليه ، وعدم الركن الشديد الذى يأوى إليه ؛ فجعل يبكيه بكاء الحزين الحائر ، الذى لا يدرى متى يقر قراره ، ولا ماذا يكون مصيره .
قالت أم أيمن : " رأيت رسول الله يومئذ يبكى خلف سرير عبد المطلب " .
وسئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أتذكر موت عبد المطلب ؟ قال " نعم ، أنا يومئذ ابن ثمانى سنين " .

فى كفالة أبى طالب
(55)
اختيار أبى طالب
لم يشأ عبد المطلب أن يترك شأن يتيمه هملا بعد موته ، وهو العزيز الأثير عنده ؛ فما هو إلا أن أحس دنو أجله ، حتى أرسل إلى أبى طالب ، فأوصاه بأن يضم إليه محمدا ويجعله فى كفالته . ولابد أنه شدد على أنى طالب فى هذه الوصية ، وكرر عليه القول بأن يرعاه حق الرعاية ، وأن يوليه من رعايته ما يوليه أولاده ؛ فهو ابن أخيه وشقيقه عبد الله بن عبد المطلب ، وهو فوق ذلك جوهرة نفيسة يجب الحرص عليها والعناية بها ، حتى تبلغ الشأو الذى قدره الله لها .
ولم يكن أبو طالب يجهل من أمر محمد شيئا ، ولا كان فى حاجة إلى أن يوصيه به أحد ؛ فقد كان يشهد من آيات الله فيه ما كان يشهده أبوه عبد المطلب ، وكان يحس من شأن مستقبله العظيم ما كان يحسه كل من يطلع على شئونه وأحواله . فما هو إلا أن دعاه عبد المطلب إلى كفالته ، حتى استجاب راضى النفس قرير العين ، على رغم ما كان عليه من قلة المال وكثرة العيال .
ولسنا ندرى لم اختار عبد المطلب أبا طالب من دون أبنائه ، ليكون هو الذى يلى أمر يتيمه من بعده ، مع أنه كان يعلم ما عليه أبو طالب من كثرة الولد وضيق ذات اليد .... ألأنه كان شقيق عبد الله ، فهو أقرب إخواته رحما إلى ابن أخيه وأقواهم به صلة ؟ أم لما كان يرى فيه من عواطف الرحمة والحنان ، ودوافع النخوه والمروءة ؟ أم لهذا وذاك وغير هذا وذاك من الأمر ؟
لقد كان لعبد المطلب عدة من الولد ، كلهم إخوة لعبد الله ، وكلهم أعمام لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؛ وكان فيهم من هو أكثر مالا وأقل عيالا من أبى طالب ، ومن هو أوسع منه سعة وأرحب مكانا ، ومن هو أقدر أن يكون هو الكفيل إذا كان الغنى بالمال هو كل شىء ... ولكن عبد المطلب – فيما يبدو – كان يرمى إلى هدف بغيد ؛ ولعله كان يرمى إلى أن تكون اليد التى تحوط محمدا هى أقوى يد وأحناها ، وأن يكون القلب الذى يرعاه هو أشجع قلب وأرحمه ؛ فلم يكن يعنيه فى ذلك الأمر كثرة المال ولا قلته ، فما المال إلا عرض يأتى ويزول ، وعارية تذهب وتجىء ؛ إنما كان يعنيه أن يجد القوى الأمين من أهله ، ليكل إليه أمر ذلك اليتيم الذى ملك عليه قلبه ، والذى كان يتمنى لو امتد به الأجل فظل يرعاه ويصونه ، ختى يبلغ به الشأو العظيم الذى ينتظرة .

(56)
الركن الأمين
كان أبو طالب هو الركن الأمين الذى آثر عبد المطلب أن يؤوى إليه يتيمه ، زكان هو من دون إخواته جميعا موضع الطمأنينه والثقة منه ؛ فأسلم إليه أمر محمد ، ومات وهو مطمئن القلب إلى أنه قد أسلمه إلى اليد الحانية الأمينة ، وإلى القلب الرءوف الرحيم .
وكذلك برهن أبو طالب على أنه كان عند حسن الظن به ، وأنه كان أهلا لهذه الثقة التى أولاه أبوه عبد المطلب . فما هو إلا أن ضم إليه محمدا حتى أقبل عليه يغمره بعطفه ورعايته ، ويخلطه بنفسه وأهله ؛ وأنزله بين بنيه منزلة الإكرام والإيثار ، وبسط عليه حمايته منذ كان صبيا ، حتى صارشابا ، ثم صار رجلا ، ثم صار زوجا له زوجة وبنون . وحين أكرمه الله برسالته ، وعاداه من عاده من أهله وقومه ، وقف أبو طالب دونه يحول بينه وبين أعدائه ، فلم يستطيع أحد أن يناله بسوء ؛ ولقى أبو طالب فى سبيل ما لاقى من معاداة قومه ، ومن عنتهم واضهطادهم ، ولكنه صبر على كل ذلك صبر الكرام ، ولم يشأ أن يسلم ابن أخيه أو يتخلى عنه لحظة .
وجعل أبو طالب يحفظ رسول الله ويحوطه ، ويعضده وينصره إلى أن مات . فلما مات بكى عليه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وحزن لموته أشد الحزن ، وجعل يستغفر الله له جزاء ما شمله به من بر ، وما أحاط به دعوته من حماية . ومازال يستغفر له ويرجو له رحمة الله ، حتى نهى عن ذلك .
عن على بن أبى طالب – رضى الله عنه – قال : ( أخبرت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بموت أبى طالب ، فبكى وقال : " اذهب فاغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه ! " ... قال على : ففعلت ما قال . وجعل رسول الله يستغفر له أياما ، ولا يخرج من بيته ، حتى نزل جبريل – عليه السلام – بهذه الأيه : (( ماكان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ، ولو كانوا أولى قربى ، من بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم . )) "
وكم تمنى رسول الله لو أن الله هدى عمه أبا طالب إلى الإسلام وشرح به صدره ، وأدخله فى رحمته الواسعة التى كتبها لعباده المؤمنين ، الذين آمنوا برسوله وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه . وكم ألح عليه رسول الله فى ذلك ، وكم حاول ، حتى وهو فى نزع الموت ، أن يظفر منه بكلمة الشهادة ...
ولكن الله لم يشأ أن يهديه إلى الإسلام ، لحكمة يعلمها وأمر يدبره . ويقول أهل العلم بالتأويل : إن الله أنزل على رسوله فى شأن أبى طالب قوله تعالى : (( إنك لا تهدى من احببت ولكن الله يهدى من يشاء ، وهو أعلم بالمهتدين )) ، لما رأى من همه به ، وشدة حرصه على هدايته وإسلامه .

******************** *
وليس عجبا أن يهتم رسول الله بإسلام عمه هذا الإهتمام ، وأن يحرص على هدايته هذا الحرص ؛ فقد رباه صغيرا ، وحماه كبيرا ، ووقف دونه كالطود العظيم ، يحوطه بالحب والعناية ، ويغمره بالعطف والرعاية . ولعله كان هو الحصن الأمين الذى آواه الله إليه ، ومن به عليه فى قوله سبحانه : (( ألم يجدك يتيما فآوى ؟ )) .... فكان من الطبيعى أن يحفظ له رسول الله فى نفسه هذا الجميل ، وأن يكن فى قلبه كل عواطف الشكر والرحمة والمحبة ، وأن يبذل كل ما يستطيع من جهد ليقدم له كل ما يستطيع من خير ونعمة . وليس فى هذه الدنيا كلها خير أعم ولا نعمة أتم من نعمة الإيمان ، الذى به تتم السعادة فى الدنيا وفى الأخرة .
لقد كان رسول الله مثلا عاليا فى الوفاء وعرفان الجميل ، وكان عمه أبو طالب مثلا عاليا فى رعايته وإكرامه وبره ، حتى لقد قيل : إنه كان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده ، وكان لا ينام إلا إلى جنبه ، ويخرج فيخرج معه ، وصب به صبابة لم يصب مثلها بشىء قط .
وكان يلمس البركة تحل فى طعام أولاده ، إذا أكل معهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا أراد أن يغديهم قال لهم : كما أنتم حتى يحضر ابنى . فيأتى رسول الله فيأكل معهم ، فكانوا يفضلون من طعامهم ؛ فإن لم يكن معهم لم يشبعوا . فيقول أبو طالب : إنك لمبارك ....!


العلامات
لله, للناس, محمد, أسماء, معركة, من, موقعة, ام, المشائخ, الله, المؤمنين, الامام, التابعي, التابعين, الحر, الدعوة, الرسول, السلف, الصالح, الصحابة, الصحابي, الصحابيات, الصحابية, الصحابيه, الصحابه, الشجاع, الشيخ, السيدة, العرب, الفارس, الفرسان, الإمام, امهات, النبي, الكرام, الكريم, اعمال, تاريخ, حتى, حياته, خير, جزاك, رضي, صلى, صحابي, صحابية, صحابيه, سيرة, سيره, صدق, سني, زنيت, عليه, عنه, عنها, فيها, إلى, هذا, ولا, والثواب, نبي, وسلم, وفاته, كل

للحصول على عضوية في الموقع مجاناً ،، اضغط على زر التسجيل الآن وشكراً

التسجيل الآن !


جديد الساحة الأولى